سميح دروزة: رائد الصناعة الدوائية العربية ومسيرة الوصول إلى العالمية
قصة رجل بدأ من نابلس ويافا، وعبر التعليم والعمل والكفاح، ليؤسس مجموعة دوائية عربية عابرة للحدود، ويدخل بها أسواق الولايات المتحدة وأوروبا، ويترك أثراً اقتصادياً وصناعياً ومعرفياً مستداماً.
النشأة والتعليم والانتقال بين العواصم
وُلد سميح طالب محمود دروزة في نابلس عام 1930، وقضى طفولته الأولى في يافا حيث تلقى تعليماً أولياً قبل أن ينتقل إلى القدس بمنحة من الكلية العربية، ثم إلى عمّان بعد نكبة 1948، ليبدأ بعدها رحلة أكاديمية في بيروت عام 1949 بالجامعة الأميركية، وهناك تحوّل من دراسة الكيمياء إلى الصيدلة بناءً على نصيحة أكاديمية غيّرت مسار حياته المهنية.
أكمل دراسته الجامعية في الصيدلة عام 1954، ثم تابع الماجستير في الصيدلة الصناعية بجامعة سانت لويس في الولايات المتحدة عام 1963، واضعاً الأساس العلمي الراسخ الذي سيدعمه لاحقاً في تأسيس مشروعه الصناعي العربي الكبير.
نشط سياسياً وفكرياً خلال فترة دراسته في بيروت، وتأثر بأساتذة ومفكرين بارزين مثل قسطنطين زريق وجبرا إبراهيم جبرا وشارل مالك، ما رسّخ لديه وعياً قومياً ورؤية تنموية تتجاوز الحدود المحلية.
البدايات المهنية وتشكّل الخبرة العملية
بعد التخرّج عاد إلى عمّان بحثاً عن عمل في مجال الصيدلة، وبدأ مسيراً عملياً مرناً شمل التدريس لفترة في مرجعيون جنوب لبنان، ثم امتلاك وإدارة صيدلية في الأردن على مدى سنوات، قبل أن ينتقل للعمل الخاص في الكويت ويجوب دولاً عربية وأجنبية بين 1964 و1977 لاكتساب خبرات قطاعية متعددة.
من أبرز محطاته المبكرة عمله لدى شركة Eli Lilly العالمية بين عامي 1964 و1976، حيث راكم خبرات في التصنيع الدوائي والجودة وسلاسل التوريد، وهي الخبرات التي ستنعكس لاحقاً على تصميم منظومات التصنيع والامتثال في مشروعه الصناعي.
تأسيس أدوية الحكمة: من شراكة إلى مجموعة عالمية
عام 1978، وفي سن الثامنة والأربعين، بدأ دروزة تنفيذ حلمه بتأسيس شركة صناعات دوائية عربية قادرة على المنافسة عالمياً. انطلقت البداية عبر شراكة مع طرف إيطالي، قبل أن يحوّلها إلى شركة أردنية خالصة تحت اسم «أدوية الحكمة»، واضعاً معايير عالية للإنتاج والجودة والتوسع التدريجي المنضبط.
شهدت الشركة نمواً سريعاً في أسواق المنطقة، ثم اتجهت إلى العالمية بعد حصولها عام 1995 على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، لتصبح أول شركة دوائية عربية تتمكن من بيع منتجاتها في السوق الأمريكية، وتوسعت لاحقاً إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.
مع مطلع الألفية، عززت مجموعة الحكمة حضورها عبر الاستحواذ على مواقع تصنيع في الولايات المتحدة والبرتغال وإيطاليا وتونس والسعودية ومصر والجزائر، وامتدت مبيعاتها إلى أكثر من 50 سوقاً حول العالم، مع عمليات موزعة عبر قطاعات الأدوية الجَنيسة ذات العلامات، والأدوية الحقنية، وأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والولايات المتحدة وأوروبا.
أُدرجت المجموعة لأول مرة في بورصة لندن عام 2005 كشركة مساهمة دولية، وكذلك في بورصة دبي، وبلغ عدد موظفيها مطلع 2013 نحو 7,067 موظفاً، مع مقر إداري رئيسي في لندن وشبكة مواقع تصنيع في عدة دول عربية وأجنبية.
وفق رصد إنجازاتها، أصبحت مجموعة الحكمة رابع شركة تُدرج أسهمها في سوق لندن المالي من أصل عربي، ووصلت إلى مؤشر فوتسي الذي يضم أكبر 250 شركة، كما ساهمت بنحو 7% من روافد الاقتصاد الأردني، ما يُعدّ انعكاساً مباشراً لأثرها الصناعي والاقتصادي.
الامتثال والمعايير والتميز الصناعي
اعتمدت الحكمة مبكراً تطبيق ممارسات التصنيع الجيد (GMP) ومعايير جودة عالية، وهو ما مهّد لقبول منتجاتها في أسواق تنظيمية صارمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وعكس فلسفة دروزة في أن الطريق إلى العالمية يبدأ من الانضباط في الجودة والامتثال.
حافظ دروزة على موقعه القيادي حتى عام 2014 حين تقاعد رسمياً، وبقي رئيساً فخرياً حتى وفاته في 2015، تاركاً وراءه منظومة تشغيلية متماسكة، وهيكل حوكمة يوازن بين النمو والاستدامة والتوسع المدروس.
المسؤولية العامة والخدمة الوطنية
إلى جانب دوره الصناعي، تولّى سميح دروزة منصب وزير الطاقة والثروة المعدنية في الأردن بين عامي 1995 و1996، وكان من المستشارين الاقتصاديين للملك، ما يعكس الثقة التي حازها على المستوى الوطني وقدرته على نقل خبرة القطاع الخاص إلى المجال العام.
نال وسام الاستقلال الأردني عام 2004 تقديراً لإسهاماته في الاقتصاد الوطني والصناعة الدوائية، وهو تكريم ينسجم مع تأثيره الممتد في توطين المعرفة الصناعية وتعزيز مكانة الأردن في سلاسل القيمة العالمية.
أهم الإنجازات والآثار المستدامة
إنجازات محورية
تأسيس «أدوية الحكمة» وتحويلها من شراكة ناشئة إلى مجموعة عربية متعددة الجنسيات، مع دخول الأسواق الأمريكية والأوروبية وتوسيع الحضور التصنيعي في 10–11 دولة ومبيعات في أكثر من 50 سوقاً عالمياً.
الحصول على موافقة FDA عام 1995 كأول شركة دوائية عربية تدخل السوق الأمريكية، ثم الإدراج في بورصة لندن عام 2005، والوصول إلى مؤشر فوتسي للشركات الكبرى، وتسجيل أثر اقتصادي يُقاس بنسبة مساهمة معتبرة في الاقتصاد الأردني.
أثر صناعي ومعرفي
ترسيخ ثقافة الامتثال والجودة (GMP) وتطوير سلاسل توريد دوائية تنافسية، ونقل الخبرة العالمية إلى بنية إنتاج عربية، بما يسهم في رفع المعايير الصناعية إقليمياً وتوسيع قدرات البحث والتطوير والتصنيع الحقني والجَنيسي.
بناء مؤسسة تتحرك بين ثلاث قارات بأسلوب حوكمة ونمو منضبط، وتخريج كوادر ومهارات إدارية وصناعية أثرت أسواق المنطقة والعالم، مع مقر عالمي في لندن وشبكة مواقع تصنيع متنوعة.
سميح دروزة الإنسان: قيم العمل والالتزام
لم يكن يعرّف النجاح بصفقات أو أرقام فقط، بل بمنظومة قيم: الانضباط في الجودة، احترام العلم والمعرفة، والقدرة على تحويل الفرص إلى مؤسسات تخدم الإنسان قبل السوق.
يجمع مساره بين العصامية الواقعية والشراكات الذكية، وبين الرؤية القومية والتنافس العالمي؛ وهو ما جعل إنجازه قصة عملية عن كيفية بناء صناعة عربية بمعايير دولية دون التفريط بالهوية.


رحمة الله عليه